العيني

150

عمدة القاري

للقبلة ، ولا عن يمينه تشريفاً لليمين ، وجاء في رواية البخاري : ( فإن عن يمينه ملكاً ) ، وعند ابن أبي شيبة بسند صحيح : ( لا يبزق عن يمينه فعن يمينه كاتب الحسنات ، ولكن يبزق عن شماله أو خلف ظهره ) . وقوله : ( فإن عن يمينه ملكاً ) دليل على أنه لا يكون حالتئذٍ عن يساره ملك ، لأنه في طاعة فإن قلت : يخدش في هذا قوله : ( إن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلاَّ عند الخلاء والجماع ) . قلت : هذا حديث ضعيف لا يحتج به . قال النووي : هذا في غير المسجد ، أما فيه فلا يبزق إلاَّ في ثوبه . قلت : وسياق الحديث على أنه في المسجد . واعلم أن البصاق في المسجد خطيئة مطلقاً ، سواء احتاج إليه أم لا ، فإن احتاج يبزق في ثوبه ، فإن بزق في المسجد يكون خطيئة وعليه أن يكفر هذه الخطيئة بدفنه ، وقال القاضي عياض : البزاق ليس بخطيئة إلاَّ في حق من لم يدفنه ، فأما من أراد دفنه فليس بخطيئة ، وهذا غير صحيح ، والحق ما ذكرناه . واختلفوا في المراد : بدفنه ، فالجمهور على أنه الدفن في تراب المسجد ورمله وحصياته إن كانت فيه هذه الأشياء ، وإلاَّ يخرجها . وعن أصحاب الشافعي قولان : أحدهما إخراجه مطلقاً ، وهو المنقول عن الروياني ، فإن لم تكن المساجد تربة وكانت ذات حصير فلا يجوز احتراماً للمآلية ، وفيه أن البزاق طاهر ، وكذا النخامة طاهرة ، وليس فيه خلاف إلاَّ ما حكي عن إبراهيم النخعي يقول : البزاق نجس . وقال القرطبي : الحديث دال على تحريم البصاق في القبلة ، فإن الدفن لا يكفيه . قيل : هو كما قال . وقيل : دفنه كفارته . وقيل : النهي فيه للتنزيه ، والأصح أنه للتحريم ، وفي ( صحيحي ) ابن خزيمة وابن حبان ، من حديث حذيفة مرفوعاً : ( من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه ) . وفي رواية لابن خزيمة ، من حديث ابن عمر ، مرفوعاً : ( يبعث صاحب النخامة في القبلة يوم القيامة وهي في وجهه ) . وروى أبو داود من حديث أبي سهلة السائب بن خلاد ، قال أحمد ، من أصحاب النبي : ( إن رجلاً أم قوماً فبصق في القبلة ورسول الله ينظر ، فقال رسول الله حين فرغ : لا يصلي لكم ، فأراد بعد ذلك أن يصلي لهم فمنعوه وأخبروه بقول رسول ا ، فذكر ذلك لرسول الله فقال : نعم ، وحسبت أنه قال : إنك آذيت ا ورسوله ) . والمعنى : أنه فعل فعلاً لا يرضي ا ورسوله . وروى أبو داود أيضاً من حديث جابر أنه قال : ( أتانا رسول الله في مسجدنا هذا ، وفي يده عرجون ابن طاب . . . ) ، ذكرناه في أول الباب ، وفي رواية مسلم : ( ما بال أحدكم يقوم يستقبل ربه ، عز وجل ، فيتنخع أمامه ، أيحب أن يستقبل فيتنخع في وجهه ؟ . . . ) الحديث . 60407 حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رسولَ الله رَأى بُصَاقاً في جِدَارِ القِبلَةِ فَحكَّهُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى الناسِ فقال : ( إذَا كانَ أحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلاَ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى ) . ( الحديث 604 أطرافه في : 357 ، 3121 ، 1116 ) . مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث إن المتبادر إلى الفهم من إسناد الحك إليه أنه كان بيده ، وأن المعهود من جدار القبلة ، جدار قبلة مسجد رسول ا ، وبهذا التقدير يسقط سؤال من يقول : إن هذا الحديث لا يدل إلاَّ على بعض الترجمة ، ولا يعلم أن الحك كان بيده ولا من المسجد فافهم . وهذا الحديث أخرجه البخاري أيضاً في الأدب وغيره . وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى . وأخرجه النسائي عن قتيبة ، ثلاثتهم عنه به . قوله : ( في جدار القبلة ) ، وفي رواية المستملي : ( في جدار المسجد ) ، وفي رواية للبخاري في أواخر الصلاة من طريق أيوب عن نافع : ( في قبلة المسجد ) وزاد فيه : ( ثم نزل فحكها بيده ) ، وفيه إشعار بأنه كان في حالة الخطبة ، وصرح الإسماعيلي بذلك في رواية من طريق شيخ البخاري ، وزاد فيه أيضاً قال : ( وأحسبه دعا بزعفران فلطخه به ) ، وزاد عبد الرزاق في رواية عن معمر عن أيوب ، فلذلك صنع الزعفران في المساجد . قوله : ( فإن ا قبل وجهه ) ، بكسر القاف وفتح الباء ، أي : جهة وجهه ، وهذا أيضاً على سبيل التشبيه ، أي كأن ا تعالى في مقابل وجهه . وقال النووي : فإن ا قِبَل الجهة التي عظمها ، وقيل : فإن قبله ا وقبله ثوابه ونحو ذلك ، فلا يقابل هذه الجهة بالبزاق الذي هو الاستخفاف لمن يبزق إليه وتحقيره . 70417 حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قالَ أخبرنا مالِكٌ عنْ هِشامِ بنِ عُرْوَةَ عَنْ أبيهِ عنْ عائِشَة